ابن عربي
255
مجموعه رسائل ابن عربي
وصافحني على مسامرته بها إلى أوان انفصاله فألقيت بها عصا التسيار وأخذت في الذكر والاستغفار وكان لي أكرم جليس وأحسن أنيس فبينما أنا أتبتل وأتخضع وأخشع في بيوت أذن اللّه أن ترفع وقد أقمر وفاز بما مضى من أيامه ولياليه رجاله إذ أرسل إلي سبحانه رسول الهامة مؤيدا ثم أردفه بما أوحي به للابن التقي في منامه فوافق المنام الإلهام ونظم عقد الحكم في هذا الكتاب أبدع نظام وعلمت عند ذلك إني كما ذكرته من شاء من عباده في إبراز هذا الكتاب وإيجاده وإني الخازن على هذا العلم والمتحكم في هذه المراسم فنفث في روعي روحه القدسي وطاع بأفق سماء همتي بدره البديع فانبعث الروح العقلي لتصنيفه وتوفرت دواعيه لتأليفه ونظر الروح الفكري في تكييفه الرفيع وحسن نظمه البديع فرتبته ثلاث مراتب وسلكت فيه أنجح المذاهب . المرتبة الأولى في العناية وهي التوفيق . المرتبة الثانية في الهداية وهي علم التحقيق . المرتبة الثالثة في الولاية وهي العمل الموصل إلى مقام الصديق وهو الذي يرفع الكلم الطيب إلى المستوى الأعلى ولا يوجد أن يساعد التوفيق بسلمه الأسنى المزلف عنده في الآخرة والأولى وجعلت هذه المراتب تجري على تسعة أفلاك من تدوير مركز الإهلاك إلى مستوى الأملاك منها ثلاثة أفلاك إسلامية أولها وربعها وسابعها . وثلاثة أفلاك إيمانية ثانيها وخامسها وثامنها . وثلاثة أفلاك إحسانية ثالثها وسادسها وتاسعها فالثلاثة الإسلامية مواقع نجوم البدايات وما بقي فمطالع أهلة النهايات فالإسلامية جسمانية والإيمانية نفسانية والإحسانية روحانية وجعلت بعد كل فلك إحساني معقلة الذي يتعشقه ويسكن إليه وجعلت الهلال الأول في كل مرتبة هلال محاق والهلال الثاني هلال ارتقاب في جميع الآفات ولوجود هذين المقامين جعلت في كل مرتبة هلالين وجعلت الفلك الخامس مشرفا لثمانية أنوار وجعلت هذه الأنوار تسبح في ثمانية أفلاك حسية وغيبية تدور في الموقع الإسلامي من المرتبة الثالثة ثم ختمت الكتاب بفصل شريف فيه مواقع نجوم ومطالع أهلة توضح مغلقات وترتب أدلة وعزمت على أن لا ادع فيه لغيري نثرا ولا نظما ولا أجعل لسواي عليه قضاء ولا حكما فأنا في هذا المجموع وغيره أتلقى من الملك ما يرد به على الملك . قال العبد ولما انتهى الكتاب وترتيب الأبواب علوت أعواد التشريف ووجهت الابن الأنجب المبارك الأزكى بدر الدين بالتعريف إلى أهل التبحر في المعارف والتوفيق وقمت في الملأين منشدا شعرا : نحن سر الأزلي * بالوجود الأبدي